تركيا والتعاون مع دمشق

شهدت الأزمة السورية الكثير من التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة، وإن كانت العسكرية هي التي أخذت المساحة الأكبر من تغطية وسائل الإعلام المحلية والعالمية في السنوات الأولى من الأزمة إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغطية أكبر للتحولات السياسية التي أنتجتها الحرب السورية، وكان لها انعكاس واضح على سياسة دول المنطقة لاسيما القريبة من سوريا ورأينا هذا الانعكاس واضح في سياسة الأردن ولبنان وبعض الدول الخليجية لتدور دائرة التحولات وتصل إلى تركيا، تركيا التي كان لها أثر كبير وواضح في الأزمة السورية والتي اتخذت موقفاً حادّاً ومعارضاً للحكومة السورية وعملت على دعم الجماعات المسلحة لإسقاط النظام السوري، نجدها اليوم تأخذ منحى جديداً في العلاقة مع سوريا، حيث أجبرتها التطورات الإقليمية والدولية على إعادة النظر في أهدافها السياسية.

تركيا اليوم بدأت بتغيير أهدافها السياسية تجاه سوريا وبرز ذلك من خلال تصريحات المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي قام بزيارة رسمية مؤخراً إلى روسيا وتحدث عن آليات التعاون مع روسيا في سوريا لحلحلة الأوضاع هناك وبدء بفتح حوار سياسي وتسوية سلمية للأزمة.

الكلام هذا أكده النائب في البرلمان التركي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، أحمد برات تشونكار، أمس في قمة الناتو في اسطنبول، حيث قدّم تقريراً عن أهداف ومواقف تركيا في الأزمة السورية، بحسب صحيفة “جمهورية” التركية.

وأقرّ التقرير بأن تركيا دعمت المعارضة المسلحة ومجموعة تسمى الجيش السوري الحرّ منذ اندلاع الأزمة من أجل تغيير النظام السياسي السوري وإسقاط بشار الأسد، لكن هذا الدعم لم يصل إلى أي نتيجة مرجوة منه، وفي نهاية التقرير تم التأكيد على أن أنقرة بدأت تغير مواقفها تجاه دمشق رويداً رويداً، وبدأت تتعاون مع إيران وروسيا بصورة جدية أكثر، وتغيرت أهداف أنقرة ولم تعد إزاحة بشار الأسد عن السلطة من أولوياتها.

أفق التعاون

بدأت تركيا بتقييم ما ستؤول إليه الأمور في سوريا ووجدت أن دعم الجماعات المسلحة لاسيما بعد استعادة القوات السورية وحلفائها لأغلبية مساحة البلاد، لم تعد تجدي نفعاً وأن التعاون مع دمشق وإيجاد طريقة لفتح حوار تنفع أكثر بكثير من الأسلوب الذي كانت تتبعه أنقرة في بداية الأزمة السورية، خاصة وأن خارطة الطريق في سوريا بدأت تأخذ شكلها النهائي.

يجب أن نذكر أن الاتصالات الأمنية والاستخباراتية بين أنقرة ودمشق كانت موجودة منذ بداية الأزمة، ومؤخراً ذكر موقع “باسنيوز” الكردي أن رئيس مكتب الأمن الوطني في سوريا اللواء علي مملوك زار مدينة أنطاليا جنوبي غربي تركيا في الأول من كانون الأول الماضي، والتقى مسؤولين أمنيين أتراك للتباحث بشأن وجود حزب العمال الكردستاني على الحدود السورية التركية.

كما قال الرئيس التركي -في لقاء سابق مع محطة “تي آر تي” التركية- :”لدينا سياسة خارجية على أدنى المستويات مع النظام السوري، غير أن أجهزة الاستخبارات غير ملزمة بالتحرك وفق تصرفات الزعماء”، مشيراً إلى أن السياسة التي تنتهجها تركيا تجاه سوريا قائمة على أساس وحدة الأراضي السورية وسيادتها.

روسيا
تجد تركيا في روسيا البوابة التي تستطيع من خلالها الحصول على بطاقة عبور إلى قلب العاصمة السورية وفتح صفحة جديدة وبدء حوار لحل المسائل العالقة ولاسيما “ملف إدلب” ولم يغب هذا الملف عن أردوغان خلال القمة التي جمعته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الأسبوع الماضي، ورأى أردوغان أن إدلب ستكون أولى الخطوات لبدء تعاون عملي لحل الأزمة العالقة غرب سوريا، وردّاً على سؤال فيما إذا كانت لدى تركيا خطط على صعيدي مكافحة الإرهاب ودعم العملية السياسية في سوريا، قال أردوغان إن التفاهم مع روسيا حول محافظة إدلب يعدّ ضمن الخطوات التي اتخذتها تركيا في هذا الصدد.

وأشار أردوغان إلى أن مباحثاته مع بوتين تناولت الأوضاع في المنطقة وفي مقدمتها إدلب، إضافة إلى خطة الانسحاب الأمريكية من سوريا.

وأضاف أن تركيا اتخذت وستواصل اتخاذ الخطوات اللازمة (مع روسيا) في إدلب، لأنه “من غير الممكن التراجع”.

الحاجة إلى السلام في المنطقة هي نقطة التقاء رئيسية بين تركيا وروسيا، بالإضافة إلى التعاون في المجال الاقتصادي وقطاعات الطاقة التي أصبحت أساس التعاون السياسي بين البلدين.

وفي المقابل فإن استمرار الحرب في سوريا يؤدي إلى مزيد من الخسائر للجنود الروس، وكذلك انتشار الإرهاب والنزعات الانفصالية وعدم الاستقرار في تركيا وفي المنطقة على نطاق أوسع.

أمريكا

سببت ازدواجية واشنطن في سوريا الكثير من المشكلات لتركيا، حيث لعبت أمريكا على الحبلين ما بين الأكراد والأتراك، وكانت توهم الطرفين أنها تقف إلى جوارهما إلا أنها خذلت الطرفين سوياً، ولم تفِ واشنطن بالتزاماتها، بل إنها فعلت عكس التزاماتها، خاصة فيما يتعلق بالمنطقة الواقعة شرق الفرات وفي منبج.

لذلك، فإن طلب واشنطن بأن تتخلى أنقرة عن شراء نظام S-400 الروسي الصنع واستبداله بمنظومة باتريوت الأمريكية يثير الكثير من الأسئلة حول الثقة في أمريكا.

في الختام.. إن تركيا وبحسب تصريحات المسؤولين ستعمل على ثلاثة مستويات فيما يخص الأزمة السورية في المرحلة المقبلة: 1- منع الأكراد من التمركز في الشمال السوري وتشكيل قوة عسكرية وسياسية تهدد تركيا، بحسب وجهة نظر الأتراك.

2- السعي لإيجاد حل سياسي لأن ذلك يخفف على تركيا الكثير من الأعباء الاقتصادية والسياسية.

3- إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بأسرع فرصة ممكنة.

المصدر // وكالات